حسن الأمين

295

مستدركات أعيان الشيعة

الثلاث الصفحات على أكثر تقدير . فشاقه أن يتعرف على هذا النابغة في الأدب الفرنسي وأن يسترشده في شؤونه فانتظرني في الخارج عند باب القاعة ، فلما خرجت تلقاني وعرفني بنفسه . ثم سألني : عن أي السؤالين كتبت فقلت : عن السؤال الثاني . فقال : أنه كتب عن نفس السؤال ، وأنه لم يستطع أن يملأ أكثر من ثلاث صفحات في حين ملأت أنا ست صفحات بسرعة فائقة ! . فقلت له : أنه سؤال مهم جدا يجب التوسع في الإجابة عليه ، فقال : أنه بدأ يشك بسلامة جوابه ، ثم أراد أن يزداد إيضاحا وشرحا فتهربت منه وانطلقت مسرعا . وعند ما نجحنا ودخلنا الجامعة فتشت عنه لا لأبلغه الحقيقة ، فلم أره بين الناجحين ، فعرفت أنه لم يكتب له النجاح وأنه فشل ولكن في غير [ الأدب ] الأدب الفرنسي طبعا . رفيقي يقبض علي ومضت الدراسة في المدرسة الثانوية رتيبة مع متابعة درسي الجبر واللغة الفرنسية خارجها . ومما حدث في هذه الأثناء : عزمي على المشاركة العملية في نضال الانتداب الفرنسي ، وكان سبيل ذلك المساهمة في إعداد المظاهرات وتنظيمها ثم السير في صفوفها تحريضا وتوجيها ، ونزلت إلى الميدان وجاءت أولى المناسبات ، وصادف أن كانت في شهر رمضان ، فكان علينا اغتنام فرصة تجمع الناس ليلا في المسجد الأموي ، فخطبنا فيهم وهجناهم للخروج في مظاهرة صاخبة فاستجابوا ، وكنت مع من كان في طليعة المظاهرة ، وسرنا في سوق الحميدية لنخرج منه إلى شارع النصر ، وكانت هذه أول تجربة لي في المظاهرات ، لذلك كانت خبرتي فيها قليلة ، ولم أكن أعلم أن عيون الفرنسيين مبثوثة محكمة البث في صفوف المتظاهرين تراقب المسؤولين عن التحريض والتهييج حتى إذا تشتتت المظاهرة بعد اصطدامها بقوى السلطة انقضوا على المحرضين فقبضوا عليهم وساقوهم إلى السجن فالمحاكمة . وكان الذين سبقونا قد وقعوا في هذه التجارب ، لذلك كانوا يحكمون انتقالهم في صفوف المتظاهرين فلا يلبثون في مكان واحد سوى دقائق لا تلفت النظر ، ويظلون يتنقلون فهم طورا في المقدمة وطورا في الوسط وطورا في المؤخرة . تارة في هذا الصف وتارة في صف آخر وبذلك تضيع آثارهم فلا تتعرف عليهم عيون الجواسيس المنتشرين في كل ناحية من نواحي المظاهرة . وكنت من بين الأغرار الذين لا خبرة لهم في هذه الشؤون ، لذلك ثبت في موقعي في المقدمة مثيرا مهيجا ، مؤلفا للشعارات ، ثم ارتايت - وقد بلغت الحماسة أقصاها - أن نأخذ نحن الذين في الصف الأول بأيدي بعضنا البعض فنشكل سلسلة متماسكة تثبت عند الاصطدام المترقب بعد الخروج من سوق الحميدية الضيق والوصول إلى شارع النصر المتسع الذي يستطيع فيه الجنود أن يصولوا ويجولوا مهاجمين المتظاهرين . وظللت ممسكا بيد شاب كان يبدو على كثير من الحماسة والاندفاع ، ورحت أتشاور معه على تدبير الصمود عند اشتباكنا بالجنود ، ولبثنا كذلك إلى أن خرجنا من سوق الحميدية ، وكان الجنود ينتظروننا في الشارع وبدأت المعركة ، وظللنا نتدافع إلى أن وصلنا إلى نهاية الشارع قريبا من محطة الحجاز ، وهناك استطاعوا تفريقنا ، وعدنا شراذم مشتتة ، وانطلقت وحدي ، فإذا بثلاثة يسرعون إلي ، ويقول أحدهم : ( هذا هو أبو البدلة البيضاء ) ، وكنت أرتدي في تلك الليلة بزة بيضاء . فانقضوا علي وأمسكوا بي ، فإذا أحدهم ذلك الشاب الذي كنت أمسك بيده طول الوقت والذي كان يبدو متحمسا كل التحمس ! . وساقوني مع من قبضوا عليهم إلى السجن حيث بقينا فيه ليلة واحدة ، حولونا بعدها إلى المحكمة ، وكان الذي ينظر في هذه الأمور قضاة وطنيون ، فكانوا يحكمون بتبرئة الموقوفين ، بعد أن يوجهوا إليهم النصح بالكف عن هذه التصرفات . فتنبه الفرنسيون لهذا الأمر ، فاصدروا قانونا قاسيا سموه ( قانون قمع الجرائم ) يحاكم بموجبة المتهمون أمام محاكم فرنسية ، وتقضي مواده بان كل من يرى موجودا في مكان المظاهرة حتى وإن لم يثبت أنه كان مشاركا فيها يجب أن يحكم عليه بالسجن ، ولا يجوز أن يكون الحكم أقل من سبعة أشهر . ولو كان هذا القانون موجودا يوم حوكمنا لكنا قضينا في السجن سبعة أشهر على أقل تقدير . ومن ذلك اليوم صرت حريصا كل الحرص على التخفي بين المتظاهرين فلا يرى مكاني بارزا . وأذكر أننا بعد أن دخلنا معهد الحقوق ، وحاول الفرنسيون فرض المعاهدة التي عرفت بمعاهدة ( الشعباني ) ، وكان لا بد من تهييج الشعب لمقاومتها . وكان مسكن المفوض السامي الفرنسي عندما يكون في دمشق بالصالحية ، كما كانت منازل عملاء الفرنسيين هناك ، فصممنا - نحن بضعة طلاب في معهد الحقوق - على وجوب تسيير مظاهرة صاخبة تصل إلى منزل المفوض السامي نفسه وبيوت عملائه ، وكان ذلك متعذرا إذا كان مكان انطلاق المظاهرة من قلب المدينة ، لأن المسافة بعيدة بين مكان انطلاقها وبين هدفها ، فيمكن تشتيتها قبل وصولها إلى الهدف ، لذلك فكرنا بتشكيل مظاهرة تنطلق من الصالحية نفسها لتصل بسرعة إلى منزل المفوض السامي ، وكان تشكيل مثل هذه المظاهرة صعبا جدا ، إن لم نقل أنه مستحيل ، لعدم إمكان حشد جمع كثيف تتشكل منه المظاهرة في الصالحية . وبعد التفكير رأينا أن تكون المظاهرة ليلا وأن تنطلق بعد صلاة العشاء من مسجد ( الشيخ محيي الدين ) حيث يكون المصلون فيه نواتها ، ثم يتجمع عليهم الناس شيئا فشيئا خلال مسير المظاهرة . فضلا عن أن هذا المكان بعيد عن تفكير السلطة بحدوث مظاهرات فيه ، لذلك سيربكها انطلاق مظاهرة منه كانت لا تظن أبدا أن ذلك ممكن الحدوث . وانطلقنا إلى المسجد قبيل صلاة العشاء ، وتقاسمنا الأدوار - وكنا خمسة - فعهدنا إلى عبد القادر الميداني أن يصعد فور انتهاء الصلاة إلى المنبر فيحرض المصلين ، وكان سبب اختياره أنه كان ذا صوت رهيب ، إذا أطلقه ينطلق كأنه الرعد المدوي . وتقاسمنا نحن الأربعة زوايا المسجد فاخذ كل واحد منا مكانه في زاوية ، فما أن تعالى صوت عبد القادر بالنداء حتى صحنا بأعلى أصواتنا من كل زاوية : الله أكبر ، وكررنا الصيحة فنفذت إلى